هشام جعيط

208

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

الصيغة ومنع تسلل القبائل . وهو الآخر مجال عمومي ديني قد يكون اقتبس هذه الصفة من الحرم والمسجد الحرام في آن . لقد طرح عمل التحريم الجاهلي قبل كل شيء كعمل لتحديد الأرض والنهي عن العنف « 1 » . صحيح أنه نزع المظهر القدسي عن الكوفة وكان الصحن مجالا متقلّصا ، ولم يكن واسعا محيطا كما كان الحرم في العصر الجاهلي ، لكن الحركة الأولية بقيت محافظة على صفائها والمسجد الأصلي بصفته مجالا مركزيا غير محاط يسترجع معا الانفتاح « 2 » ومركزية المسجد الحرام المكي . أما بخصوص مجال السكن ، فلا بد من التذكير بما لفكرة الاختطاط ذاتها من أهمية . ويبدو أنها مسعى شرع فيه قصيّ بمكة وهو الجد الممدّن ، وقد استكمل ذلك أبناؤه « 3 » . إنه مسعى إرادي للتصميم والإنشاء وتوزيع وتنظيم للمجال الذي قسم إلى أرباع هي أرباع مكة « 4 » ، وهو المسعى الذي نجده بالكوفة كعمل يبدو وكأنه شيء معهود مأنوس . ولا بد أن الدار أي المسكن الخاص قد اقتبست في وقت ما ، كما قلنا ، شيئا من النموذج اليمني المطبوع بالترف والمبني في اتجاه الارتفاع . لكن من الأرجح أن الدار الأكثر شيوعا وانتشارا في الكوفة ، كانت في البداية وفي أكثر الأحوال ، نسخة عن المثال الموجود في شمال بلاد العرب بمكة ، وهو مجال مربع مفتوح في وسطه « 5 » ، ينفتح على حجرات وهو المثال الموجود بالطائف ، والذي نجده على شكل أوسع وكحصن في أطم يثرب ، وهو يتّصل فوق هذا بأقدم نموذج للدار ببلاد الرافدين . الطائف كانت الدور بالطائف أيضا مسطحة حسب ياقوت « 6 » ، بينما يصفها لا مانس بأنها بيوت مرتفعة دون تقديم الدليل ، وهو يقابل بين « ضعف المعمار في مكة » والحصون السميكة المتنوعة بالطائف « 7 » . الواقع أن يميّز هذه المدينة هو سورها « 8 » . لكن لعل الطابع المدني

--> ( 1 ) الطبري ، ج 3 ، ص 283 : « ضرب مسيلمة حرما باليمامة ونهى عنه » . ( 2 ) البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 58 ؛ الأزرقي ، ج 2 ، ص 68 . ( 3 ) السيرة ، ص 84 . ( 4 ) الأزرقي ، ج 2 ، ص 233 - 265 ؛ السيرة ، ص 80 . ( 5 ) : Kister , « Mecca and Tamim » , p . 126 . كان مثالا دائرا ثم صار مربّعا ، ولم يظهر هذا الشكل الأخير إلا في النصف الثاني من القرن السادس م . ( 6 ) معجم البلدان ، ج 5 ، ص 9 : « بيوتها لاطئة » . ( 7 ) La cite ? arabe de Taif , pp . 183 - 184 . ( 8 ) فتوح البلدان ، ص 66 - 67 ؛ معجم البلدان ، ج 4 ، ص 8 .